أيحسن بعد ضنك حسن ظني
ابن رواحة الحموي
العصر الأيوبي
أَيَحْسُنُ بعدَ ضَنِّكَ حُسْنُ ظنِّي فأَجمعَ بينَ يأسيْ والتَّمنِّي
وما نَفْعيْ بعَطفِكَ بعدَ فَوتٍ كَرِقَّةِ شامِتٍ مِن بعدِ دَفنِ
أَأَطمَعُ أنْ أَكونَ شهيدَ حُبٍّ فأَصْحبَ مِنكَ حُوريًّا بِعَدْنِ
مَلَكتَ عليَّ أجفانيْ وقَلبي فأبعَدتَ الكرى والعَذْلَ عنِّي
فكم أَرعَيتَ غيرَ اللَّوْمِ سَمعِي وكم أَوعَيتَ غيرَ النَّومِ جَفَني
صَدَدتَ وما سِوى إفراطِ وَجدِي لكَ الدَّاعي إلى فَرْطِ التَّجنِّي
لقد أَبدَيتَ ليْ في كلِّ حُسْنٍ ضُروبًا أبدَعَت ليْ كلَّ حُزنِ
فكَم فَنٍّ مِنَ البَلوى عَراني لِعْشقِ الوصفِ منكَ بكلِّ فَنِّ
كأَنّكَ رُمْتَ أَنْ أَسلوكَ حتَّى أَقمتَ الشِّبْهَ في بَدْرٍ وغُصْنِ
فأَلْبَسَ وجهُكَ الأَقمارَ تَمًّا وعلَّمَ قَدُّكَ البانَ التَّثَنِّي
رَمانيْ في هواكَ طِماحُ طَرْفي إلى حُسْنٍ فأَخلفَ فيكَ ظَنِّي
فكم دمعٍ حَمَلْتُ عليهِ عَينِي وكم نَدَمٍ قَرَعْتُ عليهِ سِنِّي
غَدرتَ وما رأَيتَ سوى وفاءٍ فهلَّا قبلَ يَغْلَقُ فيكَ رَهْنِي
ولو حَكمَ الهوى فينا بِعَدلٍ لكُنتَ أَحَقَّ بالتَّعذيبِ مِنِّي
أَقمتَ الموتَ ليْ رَصَدًا فأَخشى زيارتَهُ وإِنْ يكُ لم يَزُرني
كما رَصدَ العِدى في كلِّ يومٍ صلاحَ الدِّينِ في سَهْلٍ وحَزْنِ
يَرَوْنَ خيالَهُ كالطَّيفِ يَسْري فلو هَجَعوا أَتاهُمْ بعدَ وَهْنِ
أَبادَهُمُ تَخَوُّفُهُ فأَمسى مُناهُمْ لو يُبَيِّتُهُمْ بأَمْنِ
تَمَلَّكَ حولَهمْ شرقًا وغربًا فصاروا لِاقتِناصٍ تحتَ رَهْنِ
أَطافَ عليهِمُ مِنْ كلِّ فَجٍّ قبائلَ يُقبِلُونَ بغيرِ وَهْنِ
أَقامَ بآلِ أَيُّوبٍ رِباطًا رأَت منهُ الفَرَنْجُ مَضيقَ سِجْنِ
فهُمْ لِلدِّينِ والدُّنيا جبالٌ رواسٍ لا تُرى أَبدًا كَعِهْنِ
إذا اتَّبَعوا لهُ عَزمًا ورَأْيًا غَنُوا في الحربِ عَن ضربٍ وطَعْنِ
وإِنْ نادى: نَزَالِ، فلنْ يُبالُوا قِتالَهُمُ لِإنسٍ أو لِجِنِّ
رجا أقصَى الملوكِ السِّلمَ مِنهُمْ ولم يَر جُهدَهُ في البأسِ يُغني
وخافَتهُمْ ملوكُ النَّاسِ جَمعًا فلم تَقِلبْ لَهم ظَهْرَ المِجَنِّ
لَهمْ مِن بأسِهِ رُكنٌ شديدٌ ولو طُلِبوا لَمَا آوَوْا لِرُكْنِ
حَوتْ آفاقُ مِصْرِهِمُ حُصونًا فكيفَ إذا أدارُوا كُلَّ حِصْنِ
غَطارِفَةٌ لَهمْ سُلطانُ عَدْلٍ يَسُنُّ لَهم مَكارِمَهمْ ويُسْني
وكم مَعنًى مِنَ الإِحسانِ فاقُوا بهِ كرمًا على كَعبٍ ومَعْنِ
لَهمْ مِن يوسفَ الدُّنيا جميعًا وليسَ لهُ نصيبٌ غيرُ مُثْنِ
أرى رأيَ التَّناسُخِ مِصْرَ حقًّا بِضمِّ اسْمٍ إلى عَدْلٍ وحُسْنِ
ولم أَرَ مِثلَهُ مَلِكًا جوادًا خَزائِنُهُ قِفارٌ وهْوَ مُغْنِ
غَدا كالشَّمسِ يومَ وَغًى بِنَقْعٍ فَشَقَّ النُّورُ منهُ مِلاءَ دَجْنِ
أَرى دَاوِيَّةَ الكفَّارِ خافَت بهِ داءً يُضَعِّفُ كُلَّ مَتْنِ
أَبَوا نَسلًا مخافَةَ نَسلِ بنتٍ تُفارِقُ دِينَهمْ أو قَتلَةَ ابْنِ
فقد عَقِمُوا بهِ مِن غيرِ عَقْمٍ كما جَبُنُوا بهِ مِن غيرِ جُبْنِ
ومَن أَفناهُمُ عدمًا حَقيقٌ بِحَمدٍ مثلَما وُجِدوا ويُغني
لقد خَبِرَ التَّجارِبَ منهُ حَزمٌ وقَلَّبَ دهَرَهُ ظهرًا لِبطنِ
فكَفَّ الكفرَ أن يَطْغى بمَكرٍ يُحَيِّرُ كلَّ ذي فِكرٍ وذِهنِ
فساقَ إلى الفَرَنجِ الخيلَ برًّا وأدركَهمْ على بحرٍ بسُفْنٍ
لقد جلبَ الجواريَ بالجَواري يَمِدْنَ بكلِّ قدٍّ مُرْجَحِنِّ
يَزيدُهُمُ اجْتماعُ الشَّمْلِ بُؤسًا فمِرنانٌ تَنوحُ على مُرِنِّ
فما مِنْ ظبيةٍ تُفْدى بليثٍ ولا ليْثٌ فِدى رَشَأٍ أَغَنِّ
زَهَت إِسكَندَرِيَّةُ يومَ سِيقوا ودِمياطٌ فما مُنِيَا بِغَبْنِ
وخَيْرُهُما هناءً ما أتاها بقُرْبِ المُلكِ كلُّ عُلًا يُهَنِّي
فلو لبسَت بهِ للفخرِ بُرْدًا لَجَرَّت فَضلَ أَذيالٍ ورُدْنِ
لقد سَبقَ النَّدى منهُ السَّبايا فكم عَزَبٍ بأَهلٍ باتَ يَبْني
وأَعجَلُهُ السَّماحُ عنِ ادَّكاري ولو أَلقاهُ مَنَّ بغيرِ مَنِّ
فأَسلِحةٌ تَخافُ لَدَيهِ خَزْنًا وأموالٌ تَطيرُ بغيرِ خَزْنِ
وكيفَ يَصونُ بحرًا جُودُ بَحرٍ فيحمِلُ مِنَّةً لِأخٍ وخِدْنِ
وإِنَّ النَّاصرَ المَلكَ المُرجَّى لَأْولى مَن وَلِيْ حَيًّا بَهتْنِ
يُبيدُ عدُاتَهُ ويَشيدُ مَجْدًا لِآلٍ فهْوَ يُفْني حينَ يُقْني
إذا لاقى العِدى فأَشدُّ لَيثٍ وإن بَذَلَ النَّدى فأَسحُّ مُزْنِ
يُهنَّى المُلكُ عيدًا لو عَداكُمْ لَما ظَفِرَ المُهَنَّا بالمُهنِّي
المصدر: خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء الشام - تح: د. شكري فيصل – المطبعة الهاشمية بدمشق 1375هـ - 1955م (ج1 ص 491 -496)





سمات القصيدة