Skip to main content

ذرا السعي في نيل العلى والفضائل

ابن رواحة الحموي

العصر الأيوبي

ذَرا السَّعيَ في نيلِ العُلى والفضائلِ مضى مَن إليهِ كانَ شَدُّ الرَّواجِلِ
فَقُولا لِسارِي البرقِ إنِّي نَعيتُهُ بنارِ أسًى أو دمعِ سُحْبٍ هواطِلِ
وتَمزيقِ جِلبابِ العزاءِ لِفَقدِهِ بزَفرةِ باكٍ أو بحسرةِ ثاكِلِ
فأعْلِنْ بِهِ للرَّكبِ واسْتَوقِفِ السُّرى لِقُصَّادِهِ مِن قبلِ طَيِّ المَراحِلِ
وقُلْ غابَ بدرُ التَّمِّ عَن أنجمِ الدُّجى وأشرقَ مِنهم بعدَهُ كلُّ آفِلِ
وما كانَ إلَّا البحرَ غارَ ومَن يَرِدْ سواحِلَهُ لم يَلقَ غيرَ جداوِلِ
وهَبْكُمْ رَوَيتُم عِلمَهُ عَن رُواتِهِ وليسَ عَوالِي صَحبِهِ بِنوازِلِ
فقد فاتَكُم نورُ الهُدى بِوفاتِهِ وعزَّ التُّقى منهُ ونَجْحُ الوسائِلِ
وما حظُّ مَن قَد غرَّهُ نَصلُ صارمٍ رجا نُصرةً مِن غِمدِهِ والحمائِلِ
لِيَبكِ عليهِ مَن رآهُ ومَن حَوى هُداهُ بأيَّامٍ لَديهِ قلائِلِ
ويَقضِ أسًى مَن فاتَهُ الفضلُ عاجلًا بِرؤيتِهِ والفوزُ في كلِّ آجِلِ
أَسِفتُ لِإِرجائيْ قُدومَ أعزَّةٍ عليهِ وتَسويفيْ إلى عامِ قابِلِ
ولو أنَّهمْ فازوا بإدراكِ مثلِهِ لَأَزرَوا على سِنِّ الصِّبا بالأَماثِلِ
فيا لِمُصابٍ عَمَّ سُنَّةَ أحمدٍ وأحرمَ منها كلَّ راوٍ وناقِلِ
خلا الشَّامُ مِن خيرٍ، خَلَت كلُّ بلدةٍ بها مِن نظيرٍ لِلإمامِ مُماثِلِ
وأصبحَ بعدَ الحافظِ العِلمُ شاغرًا بلا حافظٍ يَهذي بهِ كلُّ باقِلِ
وكم مِن نَبيهٍ قلَّ مُذ ماتَ جاهُهُ وقُدِّمَ لَمَّا أنْ مضى كلُّ خامِلِ
خَلَت سُنَّةُ المُختارِ مِن ذَبِّ ناصرٍ فأقربُ ما نَخشاهُ بِدعةُ خاذِلِ
نحا لِلإمامِ الشَّافعيِّ مَقالةً فأصبحَ شافي عَيِّ كلِّ مُجادِلِ
وأيَّدَ قولَ الأَشعريِّ بِسُنَّةٍ فكانَت عليهِ مِن أَدَلِّ الدَّلائِلِ
وكم قد أبانَ الحقَّ في كلِّ مَحفِلٍ فأَروَى بما يَروِي ظِماءَ المحافِلِ
وسَدَّ مِنَ التَّجسيمِ بابَ ضلالةٍ وردَّ مِنَ التَّشبيهِ شُبهةَ باطِلِ
وإن يكُ قد أَودَى فَكَم مِن أَسِنَّةٍ مُركَّبَةٍ مِن قولِهِ في عَوامِلِ
وإن مالَ قومٌ واسْتَمالُوا رِعاعَهمْ بإضلالِهِمْ عنهُ فلستُ بمائِلِ
أرى الأَجرَ في نَوحِيْ عليهِ ولا أرى سوى الإثمِ في نَوحِ البَواكي الثَّواكِلِ
وليس الَّذي يَبكي إمامًا لِدينِهِ كَباكٍ لِدُنياهُ على فَقدِ راحِلِ
فيا قَلبُ واصِلْهُ بأعظمِ رحمةٍ ويا عينُ فاسْقِيهِ بأغزَرِ وابِلِ
وحَيِّ ثَراهُ الدَّهرَ أَهنَى تَحيَّةٍ مُكرَّرَةٍ عندَ الضُّحى والأَصائِلِ
أَعنِّي على نَوحِيْ عليهِ فإنَّهُ قريبُ ثَواءٍ في الثَّرى والجَنادِلِ
ولو لَم يكنْ بالدَّمعِ سَيلٌ لِحُبِّهِ لَضَنَّ على لَحدٍ بهِ كلُّ باخِلِ
مضى مَن حديثِ المُصطفى كانَ شاغلًا لهُ باجْتهادٍ فيهِ عَن كلِّ شاغِلِ
لَقد شَمِلَ الإسلامَ فيهِ رَزيَّةٌ وكانَ لهُ بالنُّصحِ أفضلَ شامِلِ
وفضَّلَ بينَ السَّالِفينَ اطِّلاعُهُ عَليهمْ فَذَبَّ النَّقصَ عن كلِّ فاضِلِ
وأصبحَ في نَقدِ الرِّجالِ مُمَيَّزًا بغيرِ نظيرٍ في الورى ومُساجِلِ
وأكملَ تاريخًا لِجِلَّقَ جامعًا لِمَن حَلَّها مِن كلِّ شَهمٍ وكامِلِ
فأَزْرى بتاريخِ الخَطيبِ وقد غَدا بِخُطبَتِهِ في الكُتْبِ أخْطَبَ قائِلِ
طوى الموتُ منهُ العِلمَ والزُّهدَ والنُّهى وكسبَ المعالي واجْتِنابَ الرَّذائِلِ
وأفجَعَ منهُ العالَمِينَ بِمُقدِمٍ صَبورٍ على حربِ الضَّلالِ حُلاحِلِ
وكانَ غَيورًا ذَبَّ عَن دينِ أحمدٍ وأدفَعَ عنهُ مِن شُجاعٍ مُقاتِلِ
وأَحرَمَ فيهِ الدِّينَ أَشرَفَ صائِنٍ لَهُ ولِدَفعِ الزَّيغِ أعظمَ صائِلِ
ولم أرَ نَقصَ الأرضِ يومًا كَنَقصِها بموتِ إمامٍ عالمٍ ذي فضائِلِ
أبا القاسِمِ الأيَّامُ قِسمةُ حاكمٍ قضى بالفَنا فِينا قَضِيَّةَ عادِلِ
بماذا أُعزِّيْ المُسلمينَ ولا أرى عَزاءً سوى مَن قد مَضى مِن أفاضِلِ
عليكَ سلامُ اللهِ ما انْتَفَعَ الورى بعِلمِكَ واسْتَعلى على المُتَطاوِلِ
المصدر: معجم الأدباء – ياقوت الحموي – تح: إحسان عباس - دار الغرب الإسلامي، بيروت 1414 هـ - 1993 م (ج3 - ص 1088 - 1090)
سمات القصيدة
القراءات: 33 قراءة