محب من البين المبرح مشفق
أبو المواهيب المعري
العصر العباسي
مُحِبٌّ مِنَ البَينِ المُبرِّحِ مُشفِقُ يَكادُ مِنَ التَّفريقِ في النَّومِ يَفرَقُ
إذا سَجَعَت وُرْقُ الحَمامِ خَوالِيًا شَجاهُ، وإنْ هَوَّمنَ فهْو مُؤرَّقُ
وغيرُ عَجيبٍ أنْ يَنوحَ مُقيَّدٌ إذا ما تَغنَّى في الأراكِ مُطوَّقُ
أَأحْبابَنا جُرتُم معَ البَينِ فاعْدِلوا وجُزتُم مَدى هِجرانِكم فتَرَفَّقوا
فَفيكم على طَبعِ الجَفاءِ نَواعِمٌ يُرِينَ لُباناتِ الهوى كيفَ تَعلَقُ
سَدَلنَ دُجى ليلِ الذَّوائِبِ واعْتَلَت وُجوهٌ بها مِثلُ الأهِلَّةِ تُشرِقُ
فلا صُبحَ إلَّا ما تَنفَّسَ مُسفِرٌ ولا ليلَ إلَّا ما يُعَسعِسُ مُفرِقُ
ولا نارَ إلَّا ما تَجُنُّ أضالِعي ولا ماءَ إلَّا دَمْعيَ المُتَرقرِقُ
ولَمْياءِ أطْرارِ الظِّلالِ تَمايَلَت علينا غُصونٌ بالنَّسيمِ وأسْوُقُ
تَثَنَّى على شَدوِ الحَمامِ وإنَّها لَتُصبَحُ مِن كأسِ المُدامِ وتُغبَقُ
إذا ذَكَتِ الشِّعْرى العَبورُ أقالَنا بها الحَرَّ دَوحٌ مُمطِرُ الظِّلِّ مُورِقُ
لَجَأْنا إليها عائِذِينَ بِبانِها، وغُدْرانُها مِن تحتِها تَتَدفَّقُ
وقدْ رَشَفَتْنا الشَّمسُ حتَّى سُيوفُنا على وَقْدِها لم يَبْقَ فيهنَّ رَونَقُ
إذا وَرَدَ الظَّمآنُ صَلَّ بغِمدِهِ مَشُوقًا إلى الماءِ الحُسامُ المُذلَّقُ
ولم يُغنِهِ شُربٌ مِنَ الدَّمِ أحمَرٌ وقدْ شاقَهُ وِردٌ مِنَ الماءِ أزرَقُ
ورُبَّ فَلاةٍ جُبتُها وهْو مُؤْنِسي وخَيْفانةٌ تَجري مِرارًا وتُعنِقُ
إذا سابَقَتها الرِّيحُ شُدَّت بأرْبَعٍ فآلَت وبَرَّت أنَّها ليسَ تُسبَقُ
قَطوفٌ على جَذبِ العِنانِ وإنَّها مِنَ السَّهمِ ما بينَ الخَميسَينِ أمْرَقُ
وَرَدتُ بِها في الشَّامِ ماءَ مَعاشِرٍ نَداهم على وُسْعٍ مِنَ المالِ ضَيِّقُ
مَكارِمُهم وَعدٌ ولا خيرَ خَلفَها ووُدُّهمُ المَصنوعُ منهم تَملُّقُ
تَمخَّضَ لي بالوَعدِ عامًا أكُفُّهم وخَلَّفتُها حَمْلي بهِ وهْي تُطلَقُ
يَمُنُّونَ إنْ مَنُّوا ومَنُّوا بنَزرِهِ ولا خيرَ في طَوقٍ مِنَ التِّبرِ يَخنُقُ
وظَلْتُ أُخَطِّيها البِلادَ ودُونَها طَرابُلُسٌ حيثُ الأماني وجِلَّقُ
ورَجَّحتُ ما بينَ المُلوكِ فَمالَ بي رَجاءٌ بِذِي السَّعْدِينِ أَوْفى وأَوفَقُ
مَليكٌ بهِ الآمالُ ألقَت عَصا النَّوى فَقَرَّت وفي أوْصافِهِ المَدحُ يَصدُقُ
زَجَرتُ بهِ طيرَ المُنى فسَنَحنَ لي وطائِرُهُ المَيمونُ فيها مُحلِّقُ
وعَرَّضَ لي غيثٌ على الشَّيْمِ مُرعِدٌ مِنَ الشَّامِ ثَجَّاجُ السَّحائِبِ مُغدِقُ
تَوالى فلولا رَحمةٌ منهُ أقْلَعَت لَخُيِّلَ أنِّي فيهِ لا شَكَّ أغرَقُ
هو البَحرُ إلَّا أنَّهُ غيرُ مالِحٍ هو البدرُ إلَّا أنَّهُ ليسَ يُمحَقُ
له خُلُقٌ كالرَّوضِ حُسنًا وبَهجةً هي السَّيفُ بلْ أمْضى، ورأيٌ مُوفَّقُ
ومَنْذا الَّذي يَستَصعِبُ الرِّزقَ بعدَما دَرى أَنَّ يُمْناهُ عنِ اللهِ تَرزُقُ
وَفَيْنَ اللَّيالي خِيفَةً عنهُ مِن فَتًى يُصمِّمُ في أحداثِها ويُطبِّقُ
حَمَى الثَّغْرَ مِن رَشفِ المَواضي فقدْ كَفى تَأَشُّبَ ما يَحميهِ سُورٌ وخَندَقُ
لكُم -آلَ عَمَّارٍ- على الجُودِ مِسحةٌ سَحابُ النَّدى فيها مِنَ التِّبرِ مُغدِقُ
مُساوِيكمُ في الدَّهرِ طَولًا بِرَغمِهِ جَهولٌ بما فيكم مِنَ المجدِ أحمَقُ
فلا تَشكُرِ الأقْدارَ يابْنَ مُحمَّدٍ على المُلْكِ، إنَّ اللهَ فيكَ مُحقِّقُ
ألاقٍ عليٌّ شَملَهُ وسَما لهُ بهِ الدَّسْتُ إلَّا أنَّهُ بكَ أَليَقُ
فلا زِلتَ -فخرَ المُلكِ- تُؤمِنُ خائِفًا ويَخْشاكَ حَسَّادٌ، ويَرجوكَ مُملِقُ
وهُنِّيتَ دارًا وَطَّدَ السَّعدُ أُسَّها فثارَ إلى النَّجمِ البِناءُ المُوثَّقُ
تَقابَلَ فيها الحُسنُ مِن كلِّ وِجهةٍ فأقطارُها مِن نُورِ وجهِكَ تُشرِقُ
مُتمَّمةُ الطُّولِ الَّذي ليسَ يُرتَقى مُجدَّدةُ السَّعدِ الَّذي ليسَ يَخلُقُ
سَمَت بكَ عن إيوانِ كِسْرى جَلالةً فليسَ يُدانيها على الأرضِ جَوسَقُ
ولا زِلتَ تَلْقى العِيدَ جَيشُكَ وافِرٌ بهِ، ولِواءُ المجدِ فوقَكَ يَخفِقُ
وقدْ رُفِعَت راياتُهُ فكأنَّها مُصوَّرةٌ عن صِدقِ بأسِكَ تَنطِقُ
أَساوِدُها وثَّابةٌ وأُسودُها بِشَريِ مُجاجاتِ الرَّدى تَتَمطَّقُ
سَواكِنُ ما لم تَقلَقِ الرِّيحُ بُرهةً وتَسكُنُ فيها الرِّيحُ طَورًا فتَقلَقُ
فقُلْ لِلعِدا آراؤُهُ الدَّهرُ فَاحْذَروا سُطاهُ، ومِن راياتِهِ الأُسدُ فافْرَقوا
فلَيثُ الشَّرى يُخشَى على الأرضِ وَثبُهُ فكيفَ بهِ إنْ جاءَ وهْو مُحلِّقُ
وقدْ رَسَفَت في السَّابِرِيِّ مَقُودةٌ تَهادى بها خيلٌ حَوالَيكَ سُبَّقُ
تَخالَجُ في الأبصارِ حُسنًا كأنَّما تَجافِيفُها الضَّافي عليهنَّ زِئبَقُ
تَزِلُّ بناتُ الدَّهرِ عن صَفَحاتِهِ فليسَ بهِ لِلحادِثاتِ تَعلُّقُ
تَمَطَّى بِها وَرْدٌ كُمَيتٌ وأشهَبٌ وأحمَرُ وَضَّاحٌ وجَوْنٌ وأبلَقُ
ولمَّا كَبَت عن شَأْوِها الرِّيحُ وَكَّلوا بِجامِحِها مَقْلًا عسى الرِّيحُ تَلحَقُ
ولم يُعْيِها ما حُمِّلَتهُ كأنَّها هِضابٌ أَقَلَّت ما تَحوكُ الخَدَرنَقُ
لكَ اللهُ مَولًى حيثُ مُجتمَعُ المُنى مِنَ الخَلْقِ أضحى مالُكَ المُتفرِّقُ
فَتَحتَ يَدًا تُعطي الرَّجاءَ ودُونَها كَما شِئتَ بابٌ دُونَ قَذعِكَ مُغلَقُ
ومَن مَزَّقَت كَفَّاهُ في الحَمدِ مالَهُ فليسَ لهُ بالذَّمِّ عِرضٌ يُمزَّقُ
إليكَ مَديحًا راحَ فيكَ، ونَشرُهُ مِنَ الرَّوضِ أذكى بلْ مِنَ الطِّيبِ أعْبَقُ
أسيرُ أياديكَ الجِسامِ مُقيَّدٌ عليكَ ثَناءً وهْو في الأرضِ مُطلَقُ
يَضوعُ بهِ النَّادي نَشيدًا كأنَّما صِفاتُكَ فيهِ فأرُ مِسكٍ تُفتَّقُ
ويَشْدو بهِ الحادي فيَرتاحُ نَحوَهُ مُصيخًا إلى ذِكْراكَ غَربٌ ومَشرِقُ
وفيكَ أَطاعَتنِي القَوافي كأنَّها لِمَدحِكَ تَهوى أو لِنَظمِيَ تَعشَقُ
وقَد كَسَدَت هذي البِضاعةُ بُرهةً ولمْ تَكُ إِلَّا في زَمانِكَ تَنفَقُ
فلا قَلَصَ الظِّلُّ الَّذي قد مَدَدتَهُ ولا انْجابَ هذا البارِقُ المُتألِّقُ
المصدر: خريدة القصر وجريدة العصر، عماد الدين الأصفهاني الكاتب، تحقيق: د.شكري فيصل، المطبعة الهاشمية بدمشق، ج2، ص111.





سمات القصيدة